وطني

كلمة عميد جامع الجزائر بمناسبة استقبال البابا ليون الرّابع عشر ألقى عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني،  كلمة بمناسبة استقبال قداسة البابا ليون الرّابع عشرة اليوم الاثنين، وجاء في نصها الكامل:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَدَاسَةَ الْبَابَا لِيُون الرَّابِعَ عَشَرَ الْمُحْتَرَم.
سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ، وَبَعْدُ:
ففي رحاب هذا البيت الذي أُقيم لذكر الله؛ وعلى أرض الجزائر التي تعاقبت عليها الحضارات، ومرّت فوق ترابها الأديان والثقافات؛ نرحب بجنابكم ترحيباً يفيض بمعاني التاريخ ورمزية المكان. إن هذه الزيارة وهذا اللقاء لا تحدهما مراسم الاستقبال ولا تختصرهما لغة البروتوكول، بل يكون تجاوزهما إلى أفق روحي، تتلاقى فيه رسالات السماء، في زمن تشتدّ فيه حاجة العالم إلى صوت الحكمة، وضمير الإيمان.
نلتقي اليوم على ميراث جامع، أصله التوحيد، وغايته عمارة الإنسان، بالرحمة والكرامة، والعدل والإحسان. فدعوة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، وكليم الله موسى، وروح الله عيسى بن مريم، وحبيب الله، سيّدنا محمّد، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، أكّدت كلّها هذه الأصول؛ فدعت إلى مكارم الأخلاق، وهي المشترك الإنساني؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 64].
إنّ الدّين، في جوهره الصافي، رسالة طمأنينة وأمان، وطاقة بناء وسلام؛ لا خطاب صراع، أو نزعة عدوان. وما شهدته البشرية من توظيف منحرف للدّين، في ساحات النزاع، لا يمثّل حقيقته؛ بل يؤكّد الحاجة الملحة إلى تعاون ديني عالمي، يجفف منابع الكراهية، ويُشيع لغة التعارف والرحمة، ويعيد للخطاب الديني صفاءه الأوّل، ومعناه الأصيل.
وفي قلب هذه الرسالات السماوية تتجلّى كرامة الإنسان، بوصفها المقصد الأعلى والميزان الأعدل. فالإنسان اليوم، في عالم الحروب، والهجرة القسرية، والفقر، والاضطراب، يتطلع إلى صوت أخلاقي جامع، يُعيد الاعتبار لإنسانيته، ويذكّر العالم بأنّ كرامة الإنسان أمانة في أعناق أهل الإيمان جميعاً.
لقد أصبح الحوار ضرورة حضارية، لا مجاملة فكرية، وحاجة وجودية، لا خياراً ثانوياً. وإنّنا نطمح إلى أن ينتقل هذا الحوار من دائرة القول إلى فضاء العمل المشترك، في ميادين التربية والقيم والأسرة والشباب؛ حيث تتشكّل ملامح المستقبل، وتُصاغ موازين الاستقرار. هذه الميادين التي تتعرّض اليوم لرياح عاتية، تقلب سلّم القيم، وتريد تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها.
إنّ المؤسسات الدينية الكبرى في العالم، الإسلامية والمسيحية، مدعوة اليوم إلى صناعة الأمل في زمن القلق، وإلى بثّ الطمأنينة في عالم يضجّ بالأسئلة. وإنّ تعاونها قادرٌ على أن يشكّل ركيزةً لأمن روحي عالمي، يوازي في ضرورته سائر أشكال الأمن التي ينشدها الإنسان.
لقد أدركت خبرة الإيمان، عبر العصور، أنّ في داخل الإنسان ميادين تَدَافُعٍ بين نوازع الاستعلاء والشهوة، وبين أشواق الصفاء وسلامة القيم؛ وأنّ رسالة الدين إنما جاءت لترجّح كفة النور في هذا الصراع الباطني؛ لا لتؤجّج الفتن والصراعات بين البشر.
ومن هذا الأفق، يطمح جامع الجزائر إلى أن يكون فضاءً للعلم، والحوار، وخدمة الإنسان؛ ومقصداً لكل الباحثين عن المعرفة والسكينة، من أيّ دين كانوا، ومن أيّ أرضٍ جاؤوا؛ ويسعى إلى إرسَاخ ميزان روحيّ يرقّي النفس على العدل والرحمة؛ ويجعل من تزكية الإنسان أساس العمران؛ حتى يكون البناء الحضاري امتداداً لنور يشرق في القلوب، قبل أن يتجلّى في الواقع؛ مستمدّاً ذلك كلّه ممّا تحمله الجزائر، في تجربتها التاريخية، من رسالة أصيلة في التعايش والوسطية؛ وما جسّدته من مرجعية دينية حافظت على التوازن بين الأصالة والانفتاح.
وختاماً؛ إنّنا، إذ نثمّن جهودكم القيّمة، قداسة البابا، نؤكّد أنّ أيادينا ممدودةٌ دائماً لكلّ مسعىً يرومُ خير البشرية وكرامة الإنسان؛ شاكرين لكم إخلاصكم في تعزيز التعايش السلمي بين البشرية، ونشر ثقافة السلام والوئام، والدعوة إلى إحلال الحبّ والمودة، بدل العداوة والبغضاء.
نسأل الله أن يجعل لقاءنا هذا خطوةً مباركة في درب السلام؛ وأن يبارك كل جهدٍ صادق يسعى إلى توسيع دوائر التفاهم بين المؤمنين، وأن يهب عالمنا مزيداً من السكينة والعدل.
وَتَفَضَّلُوا، قَدَاسَةَ الْبَابَا، بِقَبُولِ فَائِقِ التَّقْدِيرِ وَالِاحْتِرَامِ.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error: جميع نصوص الجريدة محمية
إغلاق