Capdz بالعربي

مخبر البحث في علم النفس وعلوم التربية بجامعة وهران 2 يفتتح ملتقى وطنيا حول تمكين الطفل اليتيم المتمدرس: مقاربات نفسية وتربوية متكاملة

بقلم: الدكتورة مريوة حفيظة

جامعة وهران 2

 

في سياق الاهتمام المتزايد بقضايا الطفولة الهشة، احتضنت جامعة وهران 2، ممثلة في كلية العلوم الاجتماعية، فعاليات افتتاح الملتقى الوطني الذي ينظمه مخبر البحث في علم النفس وعلوم التربية بالتنسيق مع مخبر حقوق الطفل، يوم 16 أفريل 2026، بمكتبة الكلية، بحضور نخبة من الباحثين والمختصين في مجالي علم النفس وعلوم التربية.
وقد افتتح أشغال الملتقى عميد كلية العلوم الاجتماعية، البروفيسور بوزيدي الهواري، الذي أكد في كلمته الافتتاحية أن هذا اللقاء العلمي يمثل إضافة نوعية في مسار البحث الأكاديمي بالكلية، من خلال تسليطه الضوء على فئة اجتماعية تستدعي مقاربة علمية متعددة الأبعاد، تقوم على التكامل بين البعد السوسيو-نفسي والبعد القانوني في فهم قضايا الطفولة الهشة.
وأوضح أن معالجة وضعية الطفل اليتيم المتمدرس لا يمكن أن تظل محصورة في الإطار التربوي فقط، بل تستوجب تفكيك تداخل العوامل الاجتماعية والنفسية التي تؤثر في مساره النمائي والتعليمي، إلى جانب استحضار المنظومة القانونية التي تكفل حقوقه الأساسية، سواء في الحماية أو الرعاية أو التعليم أو الاندماج داخل الفضاء المدرسي والمجتمعي.
وشدد في هذا السياق على أن المقاربة السوسيو-نفسية تتيح فهماً أعمق لتجربة الطفل اليتيم باعتبارها تجربة معيشة تتأثر بالبيئة الاجتماعية والعلاقات التربوية والتمثلات الرمزية داخل المدرسة، في حين يضمن البعد القانوني إطارا مرجعيا يحمي هذه الفئة من مختلف أشكال التمييز أو الإقصاء، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص داخل المؤسسات التعليمية.
كما أبرز أن التكامل بين هذين البعدين يشكل اليوم ضرورة علمية ومجتمعية ملحة، لكونه يسمح بالانتقال من التدخلات الجزئية إلى سياسات شاملة قادرة على إحداث أثر فعلي ومستدام في حياة الطفل اليتيم، بما يعزز فرص نجاحه الأكاديمي وتوازنه النفسي واندماجه الاجتماعي.
ويعكس هذا التنسيق العلمي بين المخبرين وعيا متزايدا بضرورة المقاربة متعددة التخصصات في معالجة قضايا الطفولة، حيث لا يمكن فصل البعد النفسي والتربوي عن الإطار الحقوقي الذي يضمن للطفل اليتيم حقه في الرعاية، والحماية، والتعليم، والاندماج السليم داخل المجتمع.
ويأتي هذا الملتقى ليطرح قراءة علمية معمقة لوضعية الطفل اليتيم المتمدرس، باعتباره يعيش تجربة مركبة لا تختزل في فقدان السند الأسري فقط، بل تمتد لتشمل إعادة تشكل بنيته النفسية وتمثلاته لذاته وللعالم من حوله. فاليتْم، في هذا السياق، لا يُفهم كحدث عابر، بل كخبرة وجودية تؤثر في مسارات النمو النفسي، وتعيد صياغة علاقة الطفل بذاته وبالآخرين، خاصة داخل الفضاء المدرسي.
وقد انصبت أشغال الملتقى على مقاربة شمولية سعت إلى الربط بين الأبعاد النفسية والتربوية والاجتماعية والحقوقية، من خلال تحليل الخصائص الانفعالية والمعرفية التي تميز الطفل اليتيم، وما يرتبط بها من هشاشة محتملة في تقدير الذات، واضطراب في الإحساس بالأمان، وصعوبات في بناء علاقات متوازنة مع المحيط المدرسي. كما تم التطرق إلى التحديات التي يواجهها هذا الطفل داخل المدرسة، حيث تتقاطع صعوبات التعلم مع رهانات الاندماج الاجتماعي، في بيئة قد تعيد إنتاج الإحساس بالاختلاف من خلال الوصم أو التنمر أو حتى نظرات الشفقة.
وفي مقابل هذا التشخيص، أبرزت المداخلات أهمية الانتقال نحو تدخلات نفسية وتربوية متكاملة، لا تكتفي بمعالجة الأعراض، بل تستهدف بناء الصلابة النفسية وتعزيز الكفاءة الذاتية لدى الطفل. وتم التأكيد على أن التمكين الأكاديمي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن تمكين حقوقي ونفسي، باعتبار أن الإحساس بالأمان والاعتراف والإنصاف يشكل قاعدة أساسية لكل تعلم فعّال.
كما شدد المشاركون على ضرورة إعادة تعريف أدوار الفاعلين داخل المنظومة التربوية، حيث لا يقتصر دور الأستاذ على نقل المعرفة، بل يمتد ليشمل خلق مناخ تربوي داعم يحترم خصوصيات الطفل ويصون كرامته، في حين يبرز دور الأخصائي النفسي والمؤسسات الاجتماعية كفاعل أساسي في مرافقة الطفل ضمن رؤية تشاركية متكاملة.
ولم يخلُ الملتقى من البعد التطبيقي، حيث تم عرض نماذج وتجارب ميدانية أكدت أن التدخلات متعددة التخصصات، القائمة على التنسيق بين المقاربة النفسية والتربوية والحقوقية، تعد الأكثر قدرة على إحداث أثر فعلي ومستدام في مسار الطفل اليتيم، سواء على المستوى النفسي أو الأكاديمي.
وفي هذا الإطار، خلصت النقاشات إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في توفير الرعاية فقط، بل في بناء بيئة دامجة وعادلة، تمكن الطفل اليتيم من إعادة تشكيل مساره، وتحويل تجربة الفقد إلى دافع للنمو، في إطار يضمن له كامل حقوقه الإنسانية والتربوية.
ويعكس هذا الملتقى التزام مخبر البحث في علم النفس وعلوم التربية، بالتنسيق مع مخبر حقوق الطفل، بدورهما العلمي والمجتمعي، من خلال إنتاج معرفة تطبيقية تسهم في تطوير سياسات وممارسات أكثر إنصافا وفعالية، تستجيب لحاجات الأطفال الأيتام داخل المؤسسات التربوية.