وطني

الجريمة النووية برقان… ذاكرة لا تموت و جرح لا يندمل 

م ر

في مثل يوم 13 فيفري 1960، دوى في صحراء الجزائر صوت لم يكن مجرد انفجار ، بل كان إعلانا عن فصل جديد من فصول الإبادة الاستعمارية.

فرنسا ، وهي تستعرض قوتها النووية ، اختارت رمال رقان لتكون مسرحا لجريمة نكراء ، جريمة لم تزل آثارها محفورة في الأرض والإنسان ، شاهدة على ثمن الإستقلال و السيادة.

لم يكن التفجير النووي مجرد تجربة علمية كما حاول المستعمر أن يروج ، بل كان فعلا وحشيا يختزل فلسفة الاستدمار …سحق الأرض ، تسميم الهواء، تلويث خطير للبيئة و إبادة للإنسان.

آلاف الجزائريين دفعوا حياتهم و صحتهم ثمنا لهذه الجريمة النووية ،فيما بقيت الأجيال اللاحقة تحمل إرث الإشعاعات و الدمار.

رقان اليوم ليست مجرد مدينة في عمق الصحراء ، بل هي شاهد حي على فاتورة الدم و الدمار التي دفعها الشعب الجزائري ليستعيد حريته ، كل ذرة رمال هناك تروي قصة شعب لم يرضخ ، و كل نفس يتردد بين كثبانها يذكر بأن الاستقلال لم يكن هدية ، بل كان ثمرة تضحيات جسام.

في صحراء الجزائر ، و تحديدا في رقان ، مازالت الرمال تحفظ سرا أسود من تاريخ الاستعمار الفرنسي ، ففي 13 فيفري 1960 ، دوى أول تفجير نووي فرنسي على أرض الجزائر ، ليحول هذه المناسبة إلى مختبر موت ، و ليترك وراءه آثارا لا تمحوها السنين.

لم يكن ذلك الانفجار مجرد تجربة علمية، بل كان جريمة مكتملة الأركان ، جريمة ضد الإنسان و الطبيعة و التاريخ ، آلاف الجزائريين وجدوا أنفسهم في قلب الكارثة ، بين إشعاعات قاتلة و أمراض مستعصية ، فيما بقيت الأرض ملوثة تحمل بصمة الإستدمار إلى اليوم.

هذه المناسبة ليست مجرد ذكرى ، بل هي استدعاء للذاكرة الوطنية كي تبقى يقظة ، صلبة ، و رافضة لأي محاولة لتبييض الجرائم و طمس الحقائق ، فجرائم فرنسا النووية ، كما جرائمها الاستعمارية الأخرى ، لا تسقط بالتقادم ، ولا يمكن أن تمحى من سجل الإنسانية ، و استحضارها اليوم هو وفاء للأمانة و حفظ للوديعة ، و هو أيضا رسالة للأجيال القادمة بأن الحرية ثمنها غال ، و السيادة لا تمنح بل تنتزع.

كل ذكرى لهذه الجريمة النووية تعيد إلى الذاكرة الوطنية صورة الاستعمار في أبشع تجلياته ، لا يكتفي بالقتل المباشر ، بل يزرع الموت في الهواء و الماء و التربة ، ليظل أثره ممتدا عبر الأجيال.

رقان إذن ليست مجرد ذكرى ، بل هي أمانة في أعناقنا جميعا ، أن نروي للأجيال القادمة قصة الجرح النووي ، و أن نذكرهم بأن الاستقلال لم يكن هدية ، بل انتزع انتزاعا من بين أنياب الموت و الدمار.

إن استحضار هذه الجريمة اليوم هو وفاء للشهداء و الضحايا ، و تأكيد أن ذاكرة الجزائر لا تنسى و لا تسامح ، فالجرائم النووية ، كما جرائم الاستعمار الأخرى ، تبقى وصمة عار في جبين فرنسا الاستعمارية ، و دليلا على أن الحرية التي ننعم بها اليوم كانت ثمرة تضحيات جسام و فاتورة دماء غالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error: جميع نصوص الجريدة محمية
إغلاق