م ر
في لحظة كان يفترض أن تكون احتفاء بالثقافات الإفريقية و تلاقيها تحت سقف منظمة اليونيسكو، تحوّل المشهد إلى صدمة مدوية: اعتداء سافر استهدف الجناح الجزائري يوم أمس ، في قلب باريس.
هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنّه طعنة في قيم الحوار و التقارب التي ترعاها الأمم المتحدة ، و يكشف عن عقلية بعيدة كل البعد عن روح التعايش التي يفترض أن تسود مثل هذه الفضاءات.
اليونيسكو ، التي قامت على فكرة أن الثقافة جسر للتفاهم بين الشعوب ، وجدت نفسها أمام صورة معاكسة تماما : محاولة لإسكات صوت بلد ، و تشويه رمزية حضوره في حدث قاري ،و لكن الاعتداء كشف في الواقع عن قوة هذا الصوت و أهمية حضوره في الساحة الإفريقية و الدولية .
الاعتداء لم يكن على جناح مادي فحسب ، بل على حق الشعوب في التعبير عن هويتها ، و هو يعكس هشاشة الإلتزام الدولي بقيم التعايش ، كما أنه يضع فرنسا ، الدول المضيفة ، أمام مسؤولية سياسية و أمنية ، لأن أي تقصير في حماية أجنحة الدولة المشاركة يُقرأ كرسالة سلبية عن احترامها للتمثيل الدبلوماسي و الثقافي.
الاعتداء الذي استهدف الجناح الجزائري، لم يكن مجرّد حادث عابر ، بل هو محاولة بائسة للنيل من حضور الجزائر و رمزيتها في الفضاء الثقافي الدولي ، حيث كشف أن الهوية الجزائرية ليست هشة ، بل متجذّرة في التاريخ ، محصّنة بشعبها، قادرة على تحويل التهديد إلى فرصة لإبراز قوتها ، فالجزائر بتاريخها الثوري و مكانتها الإفريقية ، لا تنكسر أمام محاولات التشويش ، بل على العكس ، مثل هذه الأحداث تعزّز إصرارها على أن الثقافة هي السلاح الأرقى ، و أن الحوار هو الطريق الأمثل.
ما حدث في باريس أثبت أن الجزائر لا تهزم بالاستفزازات، فالهوية الجزائرية المحمية بأصالتها و بوعي أبنائها ، ستظل قادرة على حمل رسالة حضارية راقية مهما حاول البعض إطفاء نورها ، و كان الاعتداء محاولة بائسة لإطفاء شمعة ، لكن النور الذي تحمله الثقافة الجزائرية أوسع من أن يُطفأ بمثل هذه التصرفات.
