ثقافة
العرض الشرفي لمسرحية “جنازة أيوب” على خشبة المسرح الوطني محي الدين بشطارزي

عصام بلكدروسي
شهد المسرح الوطني محي الدين
بشطارزي أمسية استثنائية، احتضن فيها العرض العام الشرفي لمسرحية “جنازة أيوب”، آخر أعمال المخرج والكاتب أحمد رزاڨ، التي جاءت لتضيف إلى رصيده الفني تجربة جديدة تُلامس عمق العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وتعيد طرح أسئلة المصير والأسرة وحرارة الروابط التي لا تُقاس بالماديات.
منذ الدقيقة الأولى، يجد المتفرج نفسه أمام مشهد افتتاحي تراجيدي محكم الصياغة حيث يكون الأب مسجى على نعش، و زوجاته وبناته يبكين رحيله في لحظة حزن كثيفة ، غير أن هذا المشهد سرعان ما يتحول بمهارة إخراجية واضحة، إلى كوميديا سوداء تُخفّف وطأة التراجيديا دون أن تلغيها، وتفتح الباب أمام نقد اجتماعي صريح وحنون في آن واحد.
المخرج أحمد رزاڨ أضاء، عبر مسارات الحكاية وتشابك شخصياتها، على قيمة الحب والتآزر الأسري، مؤكداً أن العلاقات الإنسانية تظلّ هي البوصلة، فيما تبقى الماديات مجرد تفاصيل عابرة لا يمكنها أن تكون معياراً لصلابة الروابط العائلية. وفي الوقت نفسه، دفع رزاڨ أعماله الإخراجية نحو تحدٍّ جريء، إذ ضمّ العرض أكثر من 23 ممثلاً فوق الخشبة، في خطوة غير مألوفة في المشهد المسرحي الجزائري المعاصر
وفي هذا السياق، صرح رزاڨ قائلاً
“لماذا لا نرى عروضاً تضم عدداً كبيراً من الممثلين؟ سئمنا من العروض التي لا يتجاوز طاقمها ثلاثة أو أربعة ممثلين! إذا فرضت الكتابة المسرحية ذلك فلا بأس، لكنني أتمنى أن تتاح الفرصة لكل الممثلين.”
تصريح يعكس رؤية فنية تؤمن بأن الخشبة فضاء للجميع، وبأن المسرح الحقيقي لا يكتمل إلا بتعدد الأصوات وتكاثر الحيوات فوق الركح.
الجمهور من جهته، تفاعل بحرارة مع العرض، مستمتعاً بسلاسة لغة النص، وقربه من الواقع، وقدرته على عكس قضايا العائلات الجزائرية دون افتعال. كما عزز المخرج هذا التقارب من خلال كسر الجدار الرابع، وإشراك الجمهور في لحظات العرض، وهو أسلوب بات علامة مميزة في مسرحيات أحمد رزاڨ، لما يخلقه من حميمية وتواصل مباشر بين الممثل والمتلقي.
قدمت “جنازة أيوب” عرضاً متكاملاً جمع بين المتعة والجودة، بين الضحك والوجع، وبين رؤيا إخراجية طموحة ورسالة إنسانية عميقة، لتؤكد مرة أخرى أن المسرح الجزائري ما زال قادراً على تجديد لغته، واستعادة جمهوره، وصناعة لحظات فنية لا تُنسى.



