ثقافة

من ” فاطمة” إلى ” البراني 2″ إلى ” الكية” … قراءة في الدراما الرمضانية الجزائرية

 

 
عصام بلكدروسي
 
 
مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول الشاشة الجزائرية إلى فضاء درامي وكوميدي نابض بالحكايات والقصص، حيث تتنافس القنوات التلفزيونية على تقديم أعمال تجمع بين الترفيه والمعالجة الفنية لقضايا المجتمع.
هذه السنة برزت مجموعة من المسلسلات التي حاولت أن تفرض حضورها لدى العائلة الجزائرية وقت الإفطار، من خلال الطرح الدرامي والاختيارات الفنية والتقنية، من بينها مسلسل “فاطمة” للمخرج جعفر قاسم، و”الكية” للمخرج أسامة قبي، إضافة إلى الموسم الثاني من مسلسل “البراني” للمخرج يحيى مزاحم، إلى جانب العديد من الأعمال الأخرى.
أعمال تنوعت في مواضيعها وأساليبها الإخراجية، لكنها اشتركت في سعيها إلى استقطاب الجمهور. وإذا كانت هذه الأعمال قد التقت في فضاء العرض الرمضاني، فإن لكل منها بصمته الفنية الخاصة، سواء من حيث الصورة البصرية أو طريقة المعالجة الدرامية.
بدايةً بمسلسل “فاطمة” للمخرج جعفر قاسم، الذي سافر بالمشاهد الجزائري إلى القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى بدايات الاستعمار الفرنسي في الجزائر. يروي المسلسل قصة شابة جزائرية تعيش في قصبة الجزائر، تمتلك موهبة الغناء وتسعى دائمًا إلى صقلها وإقناع عائلتها بها. وفي خضم هذا الخط الدرامي، تتفرع عدة قصص فرعية تصبّ في مجملها في قضية الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، والحفاظ على التراث اللامادي للجزائر.
ومن خلال هذا العمل، حرص جعفر قاسم على العناية بأدق التفاصيل، من الديكور واللهجة إلى العادات ونمط العيش. وقد استلهم بعض شخصيات العمل من الفيلم العالمي “معركة الجزائر”، حيث نلاحظ مع تقدم الحلقات تحوّل المحور الأساسي للقصة من حكاية فاطمة إلى قصة مقاومة الشعب الجزائري ضد الاستعمار. ومن أبرز الشخصيات التي نشّطت هذا المحور شخصية “علي” المستوحاة من “علي لابوانت”، والطفل “عمر” في إحالة إلى “عمر القصبة”، في حين تعكس شخصيتا “زهرا” و”فاطمة” جوانب من شخصية “حسيبة بن بوعلي”. ومع تصاعد الأحداث وبلوغ الصراع ذروته، جاءت نهاية المسلسل أكثر قوة من بدايته، بدلالة انتصار الثورة الشعبية الجزائرية في النهاية. وقد لاقت هذه الخاتمة إعجاب الجمهور الذي تداولها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
أما مسلسل “الكية” للمخرج أسامة قبي، فقد اختلف تمامًا عن بقية الأعمال، حيث انساق المخرج وراء خياله الواسع ونجح في تحويل قصة خيالية إلى واقع درامي يعيشه الجمهور في بيئة مختلفة، وشخصيات تجمع بين الإنساني واللاإنساني.
تدور الأحداث في مكان يسمى “الهرش”، وهو فضاء خارج المدينة يسكنه أشخاص مختلفون عن بقية المجتمع، وبالموازاة مع ذلك نرى حياة عادية في بيئة معتادة تضم أشخاصًا عاديين. وقد اعتمد قبي على خلق الصراع في بداية كل حلقة لجذب انتباه المشاهد وإدخاله في تفاصيل القصة وتشعباتها.
وتبرز في هذا العمل شخصية “المخطار” التي جسدها الممثل محمد فريمهدي، وهي شخصية تختبئ خلف خوفها من انكشاف سرها، فتستعمل كل ما تملك من وحشية ولا إنسانية للتستر على ماضيها وسط سكان “الهرش”. كما حاول قبي التطرق من خلال هذا العمل إلى ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، وهي ظاهرة وإن لم تكن شائعة في الجزائر، إلا أن العمل يسلط الضوء عليها ويحذر من مخاطرها.
ومن بين النقاط اللافتة في المسلسل اختيار الممثل مراد أوجيت لتجسيد شخصية “الدوص”، وهو اختيار لم يكن اعتباطيًا، بل بدا وكأن الدور كُتب خصيصًا له، حيث أبدع في تجسيد هذه الشخصية المركبة والمعقدة من مختلف الجوانب، بدءًا من المظهر الخارجي وقصة الشعر وصولًا إلى طريقة المشي والأداء الجسدي، وهو ما اتفق عليه الجمهور في تفاعلاته عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وقد انتهت قصة “الكية” بنهاية مفتوحة توحي بإمكانية إنتاج جزء ثانٍ، وهو ما عكسه صوت جرس المنبه في المشهد الأخير من الحلقة الختامية.
من جهته، اختار المخرج يحيى مزاحم مواصلة قصة “البراني” بعد النجاح الذي حققه موسمه الأول سنة 2024، ليعود هذه السنة بجزء ثانٍ يحمل مزيدًا من التشويق الدرامي.
وقد استطاع الثنائي مصطفى لعريبي في دور “عمار” وخالد بن عيسى في دور “سيد أحمد” الغوص في أعماق القصة، ليشدا انتباه الجمهور حتى اللحظة الأخيرة من الحلقة الختامية، حيث بلغ الصراع بين الشخصيتين ذروته إلى حد القتل. فقد سعت شخصية عمار إلى الانتقام من سيد أحمد باعتبار عمار هو “البراني”، في حين حاول هذا الأخير الوصول إلى عمار لكشف الحقيقة له.
وفي سياق الأحداث، تطرق العمل أيضًا إلى آفة المخدرات وما تجرّه من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، محذرًا من الانسياق وراءها، وهو ما تجلى في النهاية المأساوية التي طالت كل شخصية تورطت في الاتجار بهذا السم القاتل أو تعاطيه.
والجدير بالذكر أن مصطفى لعريبي خطف الأضواء ونال إعجاب الجمهور بأدائه المميز لشخصية “عمار”، حيث نجح في التغلغل في تفاصيلها النفسية وتجسيدها باحترافية عالية. وقد أدى العديد من المشاهد اعتمادًا على الأداء الداخلي أكثر من الحوار، معبرًا عن ذلك من خلال ملامح الوجه وتعابيره.
في المجمل، عكست هذه الأعمال الرمضانية هذا الموسم تنوعًا في الطرح الدرامي واختلافًا في الرؤى الإخراجية ، إذ قدم جعفر قاسم معالجة تاريخية اجتماعية محمّلة بالحس الوطني والإنساني، في حين راهن أسامة قبي على إيقاع درامي مختلف والإبحار في عوالم الخيال بأسلوب بصري لافت. أما “البراني 2″، فقد واصل البناء على نجاح موسمه الأول من خلال تعميق الحبكة الدرامية والغوص في نفسية الشخصيات.
وبين هذه التجارب المتباينة، يبقى الرهان الأكبر للدراما الجزائرية هو الارتقاء أكثر بالمستوى الفني والتقني، وتقديم أعمال قادرة على ترجمة ما يعيشه المجتمع وجذب المشاهد في آن واحد.
 
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error: جميع نصوص الجريدة محمية
إغلاق