السبت, 4 يوليو, 2026
26.4 C
Oran
الرئيسيةوطنيالاستقلال والذاكرة الوطنية: من الرأسمال الرمزي إلى بناء المواطنة المستدامة

الاستقلال والذاكرة الوطنية: من الرأسمال الرمزي إلى بناء المواطنة المستدامة

نشر يوم

بقلم: الدكتورة مريوة حفيظة
قسم علم الاجتماع و الانثروبولوجيا
كلية العلوم الاجتماعية – جامعة وهران 2

يمثل الاستقلال لحظة تأسيسية في التاريخ الاجتماعي للجزائر، غير أنه لا يختزل في كونه حدثا منغلقا في الزمن أو انتقالا تاريخيا بسيطا من حالة استعمارية إلى وضع ما بعد الاستعمار، بل يتجاوز ذلك ليشكل بنية ممتدة لإعادة إنتاج المعنى داخل المجتمع. فالدلالة العميقة للاستقلال تكمن في كونه مسارا سوسيوتاريخيا يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والذاكرة، وبين المجتمع والهوية، وبين الفعل الاجتماعي ومعايير الانتماء. ومن هذا المنظور، يغدو الاستقلال مشروعا حضاريا مفتوحا، تقاس استمراريته بقدرته على إنتاج الوعي وتوجيه الممارسة الاجتماعية.
وتتجلى أهمية الذاكرة الوطنية في كونها ليست مجرد تراكم للأحداث، بل بناء اجتماعي مركب ينتج داخل الحقل الرمزي للمجتمع. فهي تشكل أحد أبرز أشكال الرأسمال الرمزي الذي يمنح الجماعة استمراريتها التاريخية، ويعيد إنتاج حدود الانتماء، ويؤسس لشعور جماعي بالمعنى واليقين. غير أن هذا الرأسمال الرمزي لا يعمل تلقائيا، بل يخضع لآليات إعادة إنتاج دائمة عبر المؤسسات الاجتماعية، حيث تتحول الذاكرة من مجرد سرد تاريخي إلى منظومة قيمية موجهة للفعل.
غير أن الإشكال السوسيوثقافي الجوهري يتمثل في الفجوة بين الذاكرة بوصفها خطابا رمزيا، والذاكرة بوصفها ممارسة اجتماعية. فحين تحصر الذاكرة في بعدها الاحتفالي، تنفصل عن الحياة اليومية وتفقد قدرتها على التأثير في السلوك الجماعي. أما حين تدمج داخل البنية التربوية والثقافية، فإنها تتحول إلى قوة معيارية تُدعي تشكيل الوعي، وتوجه الفعل، وتعيد إنتاج قيم الانتماء داخل المجتمع.
ومن هنا تبرز المواطنة كإشكالية مركزية في بناء المجتمعات الحديثة، باعتبارها ليست وضعية قانونية فقط، بل بنية سلوكية ومعيارية تتجسد داخل الممارسة اليومية. فالمواطنة في بعدها العميق هي إنتاج مستمر للانتماء عبر الفعل، يتجسد في احترام القواعد الاجتماعية، جودة العمل، صيانة المجال العام، وتغليب منطق المصلحة الجماعية على الفردية الضيقة. وبهذا المعنى، تتحول المواطنة إلى آلية لإعادة إنتاج الهوية الوطنية داخل الحياة اليومية، وليس مجرد انتماء رمزي ثابت.
ومن منظور سوسيوتاريخي، فإن الهوية الوطنية لا تفهم كجوهر ثابت، بل كبناء تاريخي متجدد يتشكل عبر التفاعل بين الذاكرة والممارسة والمؤسسات. فهي هوية ديناميكية تتجدد باستمرار داخل فضاءات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام، التي تلعب دورا حاسما في تحويل الذاكرة إلى وعي نقدي ومنتج. وهكذا تصبح استمرارية المجتمع مرتبطة بقدرته على تحويل الذاكرة إلى طاقة تنظيمية قادرة على إنتاج التماسك الاجتماعي.
أما على مستوى التحول في منطق الشرعية، فإن الانتقال من شرعية التأسيس التاريخي إلى شرعية الاستمرارية يعكس تطورًا في فهم وظيفة المجتمع والدولة معًا. فشرعية التأسيس تستمد قوتها من لحظة التضحية والتاريخ، بينما تستمد شرعية الاستمرارية قوتها من القدرة على الإنتاج، وتطوير المعرفة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان جودة الحياة. غير أن هذا التحول لا يقوم على القطيعة، بل على إعادة إدماج الرمزي التاريخي داخل مشروع اجتماعي حديث، يجعل من الماضي مصدرا للمعنى لا بديلا عن الفعل.
وفي هذا الإطار، تُعاد قراءة تضحيات الشهداء باعتبارها تأسيسا لعقد رمزي بين الأجيال، وهو عقد حاضر في الوعي الجماعي، يربط بين الماضي والحاضر عبر التزام أخلاقي مستمر. فهذا العقد الرمزي يفرض على الحاضر مسؤولية تحويل قيم التضحية إلى ممارسات اجتماعية ملموسة، تجعل من النزاهة، والعمل المنتج، والمسؤولية الاجتماعية، أشكالا حديثة للوفاء لرسالة الاستقلال.
ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الذاكرة الوطنية، بل في قدرتها على إنتاج أثر اجتماعي داخل الواقع. فالأمم لا تستمر بذاكرتها وحدها، بل بقدرتها على تحويل هذه الذاكرة إلى منظومة وعي وممارسة وثقافة مؤسساتية. وهنا يتبلور ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد الذاكرة”، حيث تتحول الرموز التاريخية إلى طاقة معرفية وأخلاقية تعيد تشكيل الفعل الاجتماعي وتوجهه.
إن الاستقلال، في هذا الأفق السوسيوتاريخي العميق، ليس لحظة نهاية بل بنية استمرارية تتجدد مع كل جيل. وعندما يتحول الرأسمال الرمزي إلى وعي حي، والوعي إلى ممارسة اجتماعية، والممارسة إلى ثقافة مؤسساتية، يصبح المجتمع قادرا على إنتاج استمراريته التاريخية، وصيانة هويته، وتعزيز مواطنته، وضمان تجدد معانيه داخل مسار التاريخ.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
وتحية تقدير واعتزاز لكل من ضحّى من أجل الاستقلال وبناء الوطن.

المزيد من المقالات

التأكيد على تحضير الأرضية الرقمية لضمان جاهزية يوم الإعلان عن نتائج البكالوريا

م.رياض أعلن الديوان الوطني للمسابقات والامتخانات أنه الانتهاء من تصحيح أوراق البكالوريا 2026 ، تدخل العملية...

بوابة الخدمات الرقمية “جبايتك” تتوقف مؤقتا هذا الأحد

ستعرف بوابة الخدمات الرقمية "جبايتك" توقفا مؤقتا هذا الأحد, بسبب أعمال تقنية, على...

سقوط حافلة من منحدر  بجاية يخلف قتيل ووفاة آخر بتمنراست 

ق.إلياس  هلك اليوم ، شخص وأصيب 03 أشخاص آخرين في حادث مرور بولاية بجاية ، على...
error: Le contenu de CAPDZ est protégé