حبيب بن عودة
لم يعد النزاع القائم حول مستودع تجاري تبلغ مساحته 800 متر مربع ببلدية مسرغين يقتصر على خلاف حول تنفيذ عقد إيجار، بل انتقل إلى مرحلة جديدة عقب صدور حكم قضائي نهائي يقضي بالإخلاء، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مدى تنفيذ الأحكام القضائية بعد اكتسابها الصيغة التنفيذية، لاسيما وأن العقار محل النزاع مملوك لبلدية مسرغين التي تعد طرفًا في القضية.
وتشير وثائق الملف إلى أن النزاع يتعلق بمحل تجاري يقع بشارع المحطة ببلدية مسرغين، تبلغ مساحته 800 متر مربع، أُبرم بشأنه عقد إيجار بتاريخ 21 أوت 2019 مقابل بدل إيجار شهري قدره 43.500 دينار. ووفقًا للوثائق، فإن البلدية، بصفتها مالكة العقار، تعد طرفًا في النزاع المتعلق باسترجاع هذا المستودع وتنفيذ الحكم الصادر بشأنه.
وبحسب الملف القضائي، فإن المستأجر أخل بالتزاماته المتعلقة بتسديد مستحقات الإيجار، ما أدى إلى تراكم ديون الإيجار، قبل أن يتم اللجوء إلى الإجراءات القانونية للمطالبة بفسخ العلاقة الإيجارية واسترجاع المحل.
وتفيد الوثائق بأن الإجراءات انطلقت بتوجيه إعذار عن طريق محضر قضائي، قبل رفع دعوى أمام الجهات القضائية المختصة للمطالبة بفسخ عقد الإيجار، وإخلاء المحل، وتسديد بدلات الإيجار المتأخرة، إلى جانب التعويض عن الأضرار الناتجة عن استمرار شغل العقار.
وبعد دراسة الملف، أصدرت الجهة القضائية المختصة حكمًا يقضي بإخلاء المحل التجاري وتسليمه خاليًا من الأشخاص والأمتعة، مع إلزام المستأجر بتسديد بدلات الإيجار المستحقة عن الفترة المحددة بالحكم، إضافة إلى التعويض والمصاريف القضائية. وقد ذُيّل الحكم بالصيغة التنفيذية، بما يسمح بالشروع في إجراءات التنفيذ وفقًا لأحكام القانون.
غير أن القضية، وفق الوثائق المتوفرة، لم تنته عند هذا الحد، إذ لا يزال الحكم، رغم نهائيته واكتسابه الصيغة التنفيذية، في انتظار التنفيذ، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن أسباب هذا التأخر.
وحسب مصادر مطلعة على الملف، فإن مسار تنفيذ الحكم عرف عراقيل متواصلة، وسط حديث عن وجود أطراف فاعلة داخل بلدية مسرغين، باعتبارها مالكة العقار وأحد أطراف النزاع، ساهمت في تعطيل استكمال إجراءات التنفيذ. غير أن هذه المعطيات تبقى محل تحقق، ويظل الفصل في مدى وجود أي تدخلات أو مسؤوليات من الاختصاص الحصري للجهات القضائية والهيئات المختصة، وفقًا لما ينص عليه القانون.
وفي هذا السياق، يؤكد مختصون في القانون أن الأحكام القضائية الممهورة بالصيغة التنفيذية تكتسب حجية الشيء المقضي فيه وقوة التنفيذ الجبري وفق الإجراءات التي يحددها القانون، وأن أي امتناع أو عرقلة لتنفيذها، متى ثبتت قانونًا وتوافرت أركانها، قد يرتب مسؤوليات قانونية، باعتبار أن تنفيذ الأحكام القضائية يمثل إحدى الركائز الأساسية لدولة القانون، مع بقاء تقدير أي مسؤولية جزائية أو إدارية من اختصاص الجهات القضائية المختصة وحدها.
وتبقى هذه القضية مرشحة لمزيد من التطورات، خاصة إذا ما تم اللجوء إلى الإجراءات القانونية الكفيلة بتنفيذ الحكم واسترجاع العقار البلدي.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة أهمية احترام الأحكام القضائية بعد صيرورتها قابلة للتنفيذ، باعتبار أن الغاية من التقاضي لا تتحقق بمجرد صدور الحكم، وإنما بتنفيذه وفق الأطر القانونية، بما يكفل حماية الحقوق، وصون هيبة القضاء، وترسيخ الثقة في مرفق العدالة وسيادة القانون.
