ح. نصيرة
دعا المشاركون في الملتقى الوطني الموسوم بـ«الجراحة التجميلية للمرأة في التشريع الجزائري في عصر الذكاء الاصطناعي: بين حرية التصرف في الجسد وحماية المجتمع من الانحرافات الاجتماعية»، إلى تدخل الهيئة التشريعية من أجل وضع إطار قانوني خاص ينظم ممارسة الجراحة التجميلية والترميمية، ويحدد الضوابط الكفيلة بحماية الطبيب والمريض، مع ضبط المسؤوليات القانونية الناجمة عن الأخطاء الطبية.
كما شدد المتدخلون على ضرورة الإسراع في سن أحكام خاصة تنظم الاستخدام الطبي للذكاء الاصطناعي، في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيات الحديثة، مع مراعاة أخلاقيات المهنة الطبية وضمان حماية الحقوق الفردية والأمن الصحي والمجتمعي.
لأول مرة… طرح تعقيدات تطور الطب التجميلي في عصر الذكاء الاصطناعي
ناقش أساتذة باحثون ومختصون في القانون والطب، خلال الملتقى الوطني الذي نظمه مخبر القانون الاجتماعي، فرقة بحث «التكوين المهني»، بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة وهران 2 محمد بن أحمد، جملة من الإشكاليات القانونية والطبية والأخلاقية المرتبطة بتطور الجراحة التجميلية في عصر الذكاء الاصطناعي.
وأثار المشاركون قضايا معقدة، من بينها إمكانية استغلال العمليات التجميلية لتغيير الملامح والهوية، بما قد يسمح لبعض الأشخاص الملاحقين قضائياً بالتهرب من العدالة.
وترأست الملتقى الأستاذة أمال بن قو، تحت إشراف الأستاذ عبد القادر بن داود، المعروف بمساهماته في مجال إصلاح العدالة.
وفي تصريح لـ«كاب ديزاد»، أكدت الأستاذة أمال بن قو، منظمة الملتقى، أن الوقت قد حان لوضع إطار قانوني خاص ينظم الجراحة التجميلية، باعتبار أن هذا النشاط يخضع حالياً للقواعد القانونية العامة.
وأوضحت أن التطورات التكنولوجية تفرض أيضاً وضع ضوابط قانونية تنظم استخدام الخوارزميات في المجال الطبي، خاصة ما يتعلق بالتحيز الخوارزمي الذي قد يمس بمبدأ المساواة والمعاملة العادلة المكفول دستورياً.
كما دعت إلى استحداث هيئات رقابية متخصصة لمراقبة النشاط الطبي التجميلي، في ظل اقتحام هذا المجال من طرف أشخاص غير مؤهلين طبياً، من بينهم بعض العاملين في مهن الحلاقة والتجميل، مشددة على أن ممارسة الطب التجميلي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نشاط تجميلي عادي.
وأشارت المتحدثة إلى ضرورة وضع إجراءات قانونية تسمح بالتحقق من هوية الأشخاص الراغبين في الخضوع لعمليات تجميلية قد تؤدي إلى تغيير ملامحهم، تفادياً لاستغلالها في التهرب من المتابعات القضائية، مع مراعاة الهوية الثقافية والمجتمعية.
أما بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي في الجراحة التجميلية بالجزائر، فأوضحت الأستاذة بن قو أن هذا المجال لا يزال في بداياته.
الجراحة التجميلية قد تتحول إلى وسيلة للإفلات من العدالة
من جانبه، دعا الأستاذ والخبير القانوني عبد القادر بن داود إلى ضرورة تقنين الجراحة التجميلية بشكل دقيق، بما يضمن حماية الطبيب وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة عن هذا النوع من التدخلات.
وأكد أن الجراحة التجميلية ليست إجراءً بسيطاً يمكن التعامل معه باستخفاف، بل قد ترتبط في بعض الحالات بجرائم تتعلق بتغيير الملامح وتزييف الهوية بهدف الإفلات من العدالة.
وأوضح أن التوصيات المنبثقة عن الملتقى سترفع إلى الهيئة التشريعية وممثلي المجلس الشعبي الوطني، بهدف معالجة الثغرات القانونية القائمة، رغم وجود أحكام عامة ضمن قانون الصحة.
وشدد على أن المسألة تتجاوز الجانب الطبي لتشمل الأمن الصحي والمجتمعي، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي يمثل مكسباً مهماً متى أُحسن استخدامه، بعيداً عن الممارسات التي قد تؤدي إلى توظيفه لأغراض غير مشروعة.
قضايا الجراحة التجميلية تصل إلى المحاكم
وتطرقت مداخلات الأساتذة المختصين في القانون والأطباء إلى المسؤولية القانونية الناجمة عن الأخطاء المحتملة في عمليات الجراحة التجميلية والترميمية، ومدى التزام الطبيب بتحقيق النتائج المنتظرة من التدخل الجراحي.
وأثار المشاركون إشكالية ضمان نجاح العمليات التجميلية بنسبة 100 بالمائة، في مقابل احتمال حدوث مضاعفات أو تشوهات قد تترتب عنها مسؤوليات قانونية.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ عز الدين قمراوي، في تصريح لـ«كاب ديزاد»، أن المحاكم تنظر بالفعل في قضايا مرتبطة بالجراحة التجميلية، خاصة تلك التي تثار بشأن نشاط بعض العيادات الخاصة.
وأوضح أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفرض إيجاد توازن بين الاستفادة من هذه التكنولوجيا ووضع ضوابط قانونية وأخلاقية تنظم استخدامها.
وثمّن المتحدث قرارات رئيس الجمهورية المتعلقة باتخاذ إجراءات لتعزيز الأمن المعلوماتي، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية إصدار قانون خاص يواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، ويحدد المسؤوليات المرتبطة باستخدامها في المجال الطبي.
توصيات بتشديد الرقابة على العيادات واستحداث صندوق لتعويض المتضررين
وأوصى المشاركون في الملتقى بضرورة تدخل المشرّع الجزائري لتنظيم الجراحة التجميلية بموجب قانون خاص، يحدد بدقة حقوق المرأة الخاضعة لهذه العمليات والتزامات الطبيب، ويضع قواعد واضحة للمسؤولية الناشئة عن التدخلات الطبية التجميلية.
كما دعوا إلى النص صراحة على الالتزام بضمان السلامة الجسدية للمريضة، باعتباره أحد الالتزامات الأساسية الملقاة على عاتق طبيب الجراحة التجميلية، مع تحديد الحالات التي يمكن فيها قيام المسؤولية دون الحاجة إلى إثبات الخطأ الطبي.
وشملت التوصيات تشديد شروط الترخيص لممارسة الجراحة التجميلية، وإخضاع العيادات والمراكز الطبية المتخصصة لرقابة دورية، بما يضمن توافر التجهيزات الطبية المطابقة لمعايير الجودة والسلامة.
واقترح المتدخلون إلزام طبيب الجراحة التجميلية بتقديم معلومات طبية مفصلة ومكتوبة للمرأة قبل إجراء العملية، تتضمن جميع المخاطر المحتملة والبدائل العلاجية والنتائج المتوقعة، بما يضمن الحصول على موافقتها الحرة والمستنيرة.
كما شددوا على ضرورة استحداث آليات أكثر فعالية لتعويض ضحايا أخطاء الجراحة التجميلية، من خلال تعزيز أنظمة التأمين على المسؤولية الطبية، أو إنشاء صندوق خاص لتعويض الأضرار الجسدية الجسيمة.
ويهدف هذا المقترح إلى ضمان حصول المرأة المتضررة على تعويض عادل وسريع، دون تعقيدات مرتبطة بإجراءات الإثبات.
وفي السياق ذاته، دعا المشاركون إلى تكثيف حملات التوعية الموجهة للنساء بشأن مخاطر الجراحة التجميلية العشوائية، لا سيما في ظل التأثير المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي في رفع الطلب على هذا النوع من التدخلات.
المطالبة بقانون خاص ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي
وفي ما يتعلق بالتطورات التكنولوجية، أوصى المشاركون بالإسراع في سن أحكام قانونية خاصة تنظم الاستخدام الطبي للذكاء الاصطناعي، مع تحديد المسؤوليات المترتبة عن الأخطاء التي قد تنتج عن الأنظمة الذكية.
وأكدوا ضرورة إعادة توزيع المسؤولية القانونية بصورة واضحة بين الطبيب المعالج والشركة المطورة للبرمجيات والمؤسسة الاستشفائية، مع استحداث آليات إثبات رقمية متقدمة، على غرار أنظمة التسجيل المعروفة بـ«الصناديق السوداء»، لتسهيل تحديد المسؤوليات وضمان تعويض المتضررين.
كما شدد المجتمعون على ضرورة وضع نصوص قانونية تعالج مسألة التحيز الخوارزمي في الجراحة التجميلية، وتضمن توزيع المسؤوليات بشكل عادل بين مختلف الأطراف المتدخلة.
واتفق المشاركون على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة مساعدة للطبيب الجراح، تخضع لقراره المهني النهائي، ولا يمكن أن يكون بديلاً عنه.
ودعوا أيضاً إلى إلزام الجهات المستخدمة للأنظمة الذكية بالاحتفاظ بالسجلات الرقمية المتعلقة بتشغيل هذه الأنظمة ومدخلاتها ومخرجاتها وتحديثاتها، وفق ضوابط تضمن حماية البيانات الصحية والشخصية للمرضى.
وشملت التوصيات تكريس مبادئ الشفافية وقابلية تفسير القرارات الصادرة عن الأنظمة الذكية المستخدمة في اتخاذ القرارات الجراحية أو دعمها، بما يسمح بفحصها عند نشوء نزاعات قضائية.
وأكد المشاركون ضرورة ضمان حق المريض في الحصول على المعلومات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في علاجه، مع احترام السرية الطبية وحماية بياناته الشخصية.
وفي ختام التوصيات، دعا المتدخلون إلى تكوين القضاة والخبراء في تقنيات الذكاء الاصطناعي الطبي، لتمكينهم من تقييم الأدلة الخوارزمية وفهم حدودها التقنية، مع الحفاظ على الضوابط القانونية المعتمدة في مجال الإثبات.
