م ر
في قلب العاصمة الغانية أكرا، اختارت الجزائر أن تسمع العالم صوتا طالما حاولت القوى الاستعمارية طمسه : صوت الضحايا ، صوت الذاكرة و صوت العدالة المؤجلة.
لم يكن خطاب الجزائر مجرد مطالبة دبلوماسية ، بل كان صرخة أخلاقية من أجل تكريس اعتراف دولي صريح بالطابع الإجرامي المنهجي للاستعباد و الاستعمار ، تلك الممارسات التي لم تكن مجرّد أحداث عابرة ، بل منظومة متكاملة من القهر و النهب و الإذلال.
الجزائر التي دفعت ثمنا باهظا في حربها التحريرية ، تدرك أن المعركة لم تنته بعد ، فالتاريخ لا يُمحى بمرور الزمن و الجرائم لا تسقط بالتقادم .
إن مطالبتها اليوم أمام المنظمات الأممية و القوى الاستعمارية السابقة ليست فقط دفاعا عن ذاكرة الشعوب ، بل هي أيضا دعوة إلى بناء مستقبل أكثر عدلا ، حيث لا يُسمح بتكرار تلك الممارسات تحت أي مسمى جديد.
الجزائر التي صنعت ملحمة تحريرية فريدة ضدّ أحد أبشع أشكال الاستعمار الاستيطاني في القرن العشرين ، تعود اليوم لتذكّر العالم بأن ذاكرة الشعوب هي وثائق حيّة و أدلّة دامغة و قاطعة ، ففي إعلانها الأخير ، أكدت استعدادها الكامل لوضع ما تملكه من وثائق تاريخية و أدلة مادية و شهادات موثقة تحت تصرف الهيئات الإفريقية و الدولية المختصة ، لتكون بمثابة مرجع لا يقبل الطعن في كشف الطابع الإجرامي للإستعمار.
و في العاصمة الغانية أكرا ، ارتفع صوت الجزائر مجددا ليذكّر العالم بأن الاستعمار لم يكن مجرّد مرحلة عابرة في التاريخ ، بل سلسلة من الجرائم المروعة التي استهدفت إرادة شعبها في الحرية.
لقد شهدت الجزائر انتهاكات فضيعة شملت أعمال إبادة جماعية و استخدام أسلحة كيميائية و نووية محظورة ، في محاولة يائسة و بائسة لإخماد مقاومة مشروعة لم تنكسر رغم قسوة القمع.
إنها لحظة فارقة في أكرا، فالجزائر لا تكتفي بالتذكير بجرائم الماضي ، بل تدفع نحو اعتراف دولي صريح بالطابع الإجرامي للاستعمار و تضع بين يدي القارة و العالم مفاتيح مواجهة التاريخ بلا أقنعة .
