حبيب. بن عودة
تُظهر التجارب الانتخابية المتعاقبة في ولاية وهران، منذ أواخر التسعينات، أن الخريطة السياسية المحلية لا تُقرأ فقط من خلال البرامج الحزبية أو القوائم المترشحة، بل أيضا من خلال التوزيع الجغرافي للناخبين وأنماط التصويت بين وسط المدينة والبلديات الطرفية أو ذات الطابع شبه الريفي.
ففي الوقت الذي يسجل فيه وسط مدينة وهران نسب مشاركة متذبذبة تتسم أحيانا بالعزوف، تبرز بلديات الأطراف والمناطق المجاورة كفضاءات أكثر حيوية انتخابيا، حيث ترتفع نسب المشاركة بشكل ملحوظ وتتحول العملية الانتخابية فيها إلى حدث اجتماعي واسع.
وتضم ولاية وهران عددا من البلديات التي تُصنف ضمن النطاق شبه الريفي أو مناطق التوسع الحضري، مثل سيدي بن يبقى، طفراوي، والبرية، وبوفاطيس، إضافة إلى مناطق واسعة من بئر الجير والسانية. هذه البلديات غالبا ما تُسجل حضورا انتخابيا قويا مقارنة بالمركز الحضري للولاية.
هذا الحضور لا يرتبط فقط بكثافة سكانية أو تنظيم إداري، بل بنمط اجتماعي يقوم على العلاقات القريبة بين السكان، حيث تكون الروابط العائلية والقبلية والجوارية أكثر تأثيرا في توجيه السلوك الانتخابي. كما أن الحملات الانتخابية في هذه المناطق تكون أكثر مباشرة، وتستند إلى الزيارات الميدانية والتواصل الشخصي بدل الخطاب السياسي العام.
وفي العديد من هذه البلديات، لا يُنظر إلى الانتخابات كاستحقاق سياسي فقط، بل كحدث اجتماعي شبه جماعي، يشبه عرس عائلي أو لقاء محلي يحضره أبناء و أعيان المناطق و البلديات. هذا التصور يرفع من مستوى المشاركة، لأن الناخب يشعر أن صوته مرتبط مباشرة بقضايا يومية ملموسة مثل السكن، الطرقات، التهيئة الحضرية، والمرافق الأساسية.
كما أن المواطن في هذه المناطق غالبا ما يربط بين المشاركة الانتخابية وفرص تحسين الخدمات، وهو ما يجعل الإقبال أعلى مقارنة بمناطق حضرية كبيرة حيث تتوسع الفجوة بين المواطن والمؤسسات.
وفي المقابل وعلى النقيض تماما، يعرف وسط مدينة وهران نمطا مختلفا تماما. فالتنوع الاجتماعي الكبير، وتسارع الحياة اليومية، وتراجع الثقة لدى جزء من السكان في جدوى المشاركة السياسية، كلها عوامل ساهمت في تسجيل نسب عزوف ملحوظة في عدة استحقاقات.
هذا العزوف لا يعني غياب الوعي السياسي، بل يعكس تحولا في علاقة المواطن الحضري بالفعل الانتخابي، حيث يصبح التصويت بالنسبة للبعض خيارا ثانويا مقارنة بانشغالات الحياة اليومية.
ورغم هذا التباين في نسب المشاركة، لا يمكن الجزم بأن الأطراف تحتكر التمثيل السياسي أو تتحكم وحدها في نتائج الانتخابات. فتركيبة القوائم الانتخابية، وحضور الأحزاب، والتحالفات المحلية، تلعب دورا حاسما في تحديد هوية النواب والممثلين.
لكن المؤكد أن الأطراف تبقى عاملا حاسما في رفع نسب التصويت وصناعة الفارق العددي في كثير من الحالات، وهو ما يجعلها رقما صعبا في أي معادلة انتخابية داخل الولاية.
و يمكن القول إن المشهد الانتخابي في وهران يعكس ازدواجية واضحة بين فضاء حضري يميل إلى العزوف والتردد، وفضاء أطراف أكثر تعبئة وحضورا. وبين الاثنين تتشكل النتائج النهائية التي تعكس ليس
